منوعات

حكايات زهرة الربيع

رفعت راسي وبصيت لنجوى وقولت لها بقوة أول مرة أحس بيها من يوم ما اطلقت: “أنا موافقة يا نجوى.. النص بالنص، بس الورق ده يفضل معايا أنا، والمحامي أنا اللي هختاره بنفسي مش تبعك، عشان أضمن إنك متبعين ياش أنا كمان لو طليقته عرضت عليكي قرشين زيادة”. ملامح نجوى اتغيرت للحظة والضيق ظهر على وشها، بس هزت راسها وقالت: “ماشي يا شيماء.. مصلحتنا واحدة دلوقتي. هاتي الورق وتعالي نروح للمحامي الكبير اللي في وسط البلد ونبدأ الإجراءات فوراً قبل ما يسحبوا بقية الفلوس من برة”.

لبست عبايتي وأمي كانت قاعدة تبصلي بخوف وهي مشلولة مش قادرة تتكلم ولا تمنعني، أخدت ابني في ح.ضني وخرجت مع نجوى.. ركبنا التاكسي والدنيا كانت بدأت تليل، وكنت حاسة إن أنا رايحة في طريق ملوش رجوع، طريق كله تماسيح وديابة بياكلوا في بعض، وأنا بقيت واحدة منهم غصب عني عشان أحمي ابني. وصلنا مكتب المحامي، ونجوى بدأت تطلع الورق وتشرح له السيرة من الأول.. المحامي لابس نظارته وفضل يقرأ الورق بتمعن شديد، وشه بدأ يتغير وكل شوية يبصلي ويبص للورق.. وفجأة، قلع النظارة ورماها على المكتب وبص لنجوى وبصلي وقال بنبرة صدمتني وصدمت نجوى لدرجة إننا وقفنا من على الكراسي:

“الكلام ده خطير جداً.. بس في مصيبة تانية أنتوا مش واخدين بالكم منها في الورق ده.. المصيبة دي لو اتعرفت، مش بس شريف وطليقته اللي هيروحوا في داهية.. أنتي كمان يا مدام شيماء، وابنك ده، حياتكم هتبقى في خطر حقيقي من اللحظة دي..”! المحامي كان باصص للورق وعينيه متثبتة على سطر معين، وأنا ونجوى كنا واقفين بننهج وبنبص لبعض والرعب رجع ينبض في عروقنا من تاني. نجوى قربت من مكتبه وقالت بصوت متوتر: “مصيبة إيه يا متر؟ الورق ملوش علاقة بشيماء، دي تقارير وحسابات شريف وطليقته!”.

المحامي رفع عينه وبصلي بنظرة شفقة غريبة، وقال: “الحسابات السويسرية دي يا مدام شيماء.. مش باسم شريف لوحده، ولا طليقته سحبتها باسمها.. الحسابات دي تم تأسيسها تلت سنين فاتوا، يعني في نفس الشهر اللي أنتي اتجوزتي فيه شريف! والتوكيل اللي معمول لسحب الفلوس، معمول باسم شركة وهمية لتجارة الأدوية والمستلزمات الطبية برة مصر.. وعارفة مين اللي مسجل كـ شريك رئيسي وصاحب حق التوقيع في الشركة دي هنا في مصر؟”. بلعت ريقي بصعوبة وقولت: “مين؟ شريف؟”.

المحامي هز راسه بالرفض وقال: “لأ.. باسمك أنتي! يا مدام شيماء، شريف وطليقته مكانوش بس بيزوروا تقارير طيران.. شريف كان بيهرب سبائك دهب ومبالغ ضخمة لشبكة تهريب دولية مستغلاً وظيفته كطيار، وحط اسمك أنتي في واجهة الشركة الوهمية دي بعقد مصدق ومزور فيه إمضاكِ وبصمتك من تلت سنين! طليقته لما كشفت اللعبة، مهددتوش عشان الفلوس بس.. هي هددته إنها هتبلغ عن الشبكة دي كلها لو مأخدتش نصيبها وسافرت برة.. وشريف هرب عشان الشبكة دي بدأت تدور وراه بعد ما الفلوس اللي في سويسرا اتجمدت من يومين بسبب تحقيقات دولية!”.

وقعت على الكرسي والواد صرخ في ح.ضني كأنه حاسس بنبضات قلبي اللي كانت زي الطبل. نجوى اتراجعت لورا ووشها جاب ألوان، وقالت وهي بتبعد عني: “أنا ماليش دعوة.. أنا كنت فاكراها قض*ية نفقة وتزوير عادية! أنا برة الموضوع ده!”.

المحامي زعق فيها وقال: “اقعدي هنا! مفيش حد برة الموضوع.. الورق ده لو خرج من المكتب ده، أصحاب الشبكة دي -وهما ناس واصلة وتقيلة جداً- لو عرفوا إن الورق ده مع حد أو إن شيماء معاها مستندات الحسابات، مش هيستنوا القانون يحاسبها.. هما هيخلصوا عليها وعلى ابنها في ثانية عشان يدفنوا السر! شريف وطليقته مهربوش من القانون بس.. هما هربانين من ديابة بياكلوا لحم حي!”.

بصيت لنجوى اللي كانت بترتعش، وبصيت للورق اللي بقيت شيفاه كأنه قنبلة موقوتة هتد.مر اللي باقي من حياتي وحياة ابني. قولت للمحامي بصوت منهار وعياط مكتوم: “يعني إيه يا متر؟ يعني أنا هتحبس؟ أو هتمو.ت؟ أنا والله ما أعرف حاجة عن الشركات دي! أنا كنت مغمية عيني ومش شايفة غير شريف وبس.. أنا ضيعت نفسي وبضيع ابني معايا!”.

المحامي لّم الورق بسرعة وحطه في الخزنة وراه وقال بقلق: “الورق ده هيفضل هنا في حرز مقفول.. ومحدش ينطق بكلمة برة الأوضة دي. الحل الوحيد قدامنا دلوقتي إننا نلعب على الهادي.. شريف وطليقته حالياً في دبي، والشبكة لسه بتدور عليهم هما الأول ومش عارفين مكانهم.. لو قدرنا نوصل لشريف عن طريق جهة أمنية في مصر هنا ونقدم بلاغ رسمي كـ ‘شاهد ملك’ ونثبت إن إمضاكِ مزورة قبل ما هما يوصلولك، ممكن ننجى برقبتك ونضمن لقمة عيش لابنك.. بس اللعبة دي محتاجة وقت، ومحتاجة إنك تختفي تماماً الكام يوم الجايين دول.. متقعديش في بيتك القديم ولا دقيقة واحدة!”.

خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي، نجوى جرت وسابتني في وسط الشارع من غير ما تنطق بكلمة.. الخوف عمى عينيها هي كمان. وقفت في نص البلد، بالليل، الهوا كان ساقع بس جسمي كله كان بيغلي.. ابني في ح.ضني عمال يئن من الوجع، وأنا مبقاش ليا مكان أروح فيه.. بيتي مراقب، وشريف باعني وباع ابنه وبقى مطرود من ديابة، وأنا بقيت في وش المدفع!

أخدت تاكسي ورجعت لبيت أمي وأنا بترعش، دخلت الشقة وكنت بلم حاجتي وحاجة الواد بسرعة وأنا بقول لأمي المذعورة: “لازم نمشي من هنا يا أمي.. لازم نستخبى في أي مكان، الحكاية طلعت أكبر من شريف ومن طليقته.. إحنا في خطر!”. وفجأة.. وأنا بلم الهدوم في الشنطة.. النور قطع في الشقة كلها! السكون بقى مرعب، ومسمعتش غير صوت خطوات تقيلة وغريبة بتتحرك برة في الممر، ووقفت بالظبط.. قدام باب شقتنا!

ح.ضنت ابني بكل قوتي، وحطيت إيدي على بق أمي عشان متصرخش.. والباب بدأ يتخبط عليه تلات خبطات ورا بعض، خبطات قوية ومنتظمة.. وصوت راجل غريب من ورا الباب قال بنبرة هادية وبترعب: “افتحي يا مدام شيماء.. الكابتن شريف بيمسي عليكي، وجايبلك الأمانة اللي سيبتيها مع المحامي”! النفس قطع جوايا، والضلمة حوّلت الشقة لقبر مقفول علينا. أمي كانت بتترعش تحت إيدي، وابني “شريف الصغير” وزي ما يكون حس برعب اللحظة، سكت تماماً وكتم أنينه في ح.ضني. الخبطات على الباب رجعت تاني.. تلات خبطات ورا بعض، بنفس الهدوء المرعب والانتظام اللي يقطع الخلف.

الصوت من ورا الباب رجع يتكلم، بس المرة دي كان أقرب، كأنه حاطط بقه في خرم الباب: “أنا عارف إنك جوة يا مدام شيماء، وسامع نفسِك.. افتحي بالذوق وبلاش نعمل شوشرة في الحتة، الأمانة لازم تستلميها يد بيد”. كنت بين خيارين؛ إما أمو.ت من الر.عب وأستنى الباب يتكسر علينا، أو أقف على رجلي عشان الحتة اللحم اللي متعلقة في رقبتي. شيلت إيدي من على بق أمي وهمست في ودها: “ادخلي الأوضة جوة واقفلي على نفسك.. متخرجيش مهما حصل”. زقيت أمي بالراحة، وأخدت نفسي، وقربت من الباب وأنا حاطة ابني على دراعي الشمال، وإيدي اليمين بترتعش على الترباس.

سألت بصوت حاولت أخليه قوي بس كان مخنوق: “أمانة إيه؟ ومين الكابتن شريف ده؟ أنا معرفش حد بالاسم ده، والبيت ملوش رجالة.. امشي من هنا وإلا هصوت وألم عليك الشارع!”. الراجل ورا الباب ضحك ضحكة واطية، ضحكة خلت شعري يقف، وقال: “تلمي الشارع؟ الشارع كله نايم يا مدام، والبواب تحت نايم نومة مش هيصحى منها قبل بكره العصر.. افتحي، المحامي بتاعك باعك في أول محطة عشان يشتري روحه، والورق اللي كان في الخزنة بقى في جيبنا.. افتحي عشان نخلص”.

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. المحامي باعني! الورق اللي كان المفروض يحميني بقى معاهم! في اللحظة دي، عرفت إن مفيش مفر، وإن شريف وطليقته والشبكة دي مش هيسيبوني أعيش. الشيطان اللي كان بيحرّكني زمان عشان أخرب بيت جارتي وأسر.ق جوزها، اختفى، وحل محله غريزة أم بتدافع عن ابنها العاجز.

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى